أحمد مصطفى المراغي
7
تفسير المراغي
تناسبت الأعضاء فيه فلا ترى * بهنّ اختلافا بل أتين على قدر فإن كنت في ريب من هذا فارجع البصر حتى تتضح لك الحال ، ولا يبقى لك شبهة في تحقق ذلك التناسب والسلامة من الاختلاف والشقوق بينها . وإنما قال : ( فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ ) دون أن يقول : ( فيها ) تعظيما لخلقهنّ ، وتنبيها إلى سبب سلامتهنّ من التفاوت بأنهنّ من خلق الرحمن ، وأنه خلقهنّ بباهر قدرته وواسع رحمته تفضلا منه وإحسانا ، وأن هذه الرحمة عامة في هذه العوالم جميعا . ثم أمره بتكرير البصر في خلق الرحمن على سبيل التصفح والتتبع ، هل يجد فيه عيبا وخللا فقال : ( ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ ) أي إنك إذا كررت النظر لم يرجع إليك البصر بما طلبته من وجود الخلل والعيب ، بل يرجع إليك صاغرا ذليلا لم ير ما يهوى منهما ، حتى كأنه طرد وهو كليل من طول المعاودة وكثرة المراجعة . والمراد بقوله « كرتين » التكثير كقوله : لو عدّ قبر وقبر كان أكرمهم * بيتا وأبعدهم من منزل الذّام وبعد أن بين خلوّ السماوات من العيب ذكر أنها الغاية في الحسن والبهاء فقال : ( وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ ) أي ولقد زينا السماء القربى من الأرض وهي التي يراها الناس بكواكب مضيئة بالليل كما يزيّن الناس منازلهم ومساجدهم بالسّرج ، ولكن أنّى لسرج الدنيا أن تكون كسرج اللّه ؟ والخلاصة - أن نظام السماوات لا خلل فيه ، بل هو أعظم من ذلك ، فقد زينت سماؤه القريبة منا بمصابيح ، هي بهجة للناظرين ، وعبرة للمعتبرين .